محمد بن جرير الطبري

119

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

والأرض . إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ يقول : غير إبليس ، فإنه لم يسجد ، استكبر عن السجود له تعظما وتكبرا وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ يقول : وكان بتعظمه ذلك ، وتكبره على ربه ومعصيته أمره ، ممن كفر في علم الله السابق ، فجحد ربوبيته ، وأنكر ما عليه الإقرار له به من الإذعان بالطاعة ، كما : حدثنا أبو كريب ، قال : قال أبو بكر في : إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ قال : قال ابن عباس : كان في علم الله من الكافرين . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ يقول تعالى ذكره : قالَ الله لإبليس ، إذ لم يسجد لآدم ، وخالف أمره : يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ يقول : أي شيء منعك من السجود لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ يقول : لخلق يدي ؛ يخبر تعالى ذكره بذلك أنه خلق آدم بيديه ، كما : حدثنا ابن المثني ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، قال : أخبرني عبيد المكتب ، قال : سمعت مجاهد ا يحدث عن ابن عمر ، قال : خلق الله أربعة بيده : العرش ، وعدن ، والقلم ، وآدم ، ثم قال لكل شيء كن فكان . وقوله : أَسْتَكْبَرْتَ يقول لإبليس : تعظمت عن السجود لآدم ، فتركت السجود له استكبارا عليه ، ولم تكن من المتكبرين العالين قبل ذلك أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ يقول : أم كنت كذلك من قبل ذا علو وتكبر على ربك . قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ يقول جل ثناؤه : قال إبليس لربه : فعلت ذلك فلم أسجد للذي أمرتني بالسجود له لأني خير منه وكنت خيرا لأنك خلقتني من نار وخلقته من طين ، والنار تأكل الطين وتحرقه ، فالنار خير منه ، يقول : لم أفعل ذلك استكبارا عليك ، ولا لأني كنت من العالين ، ولكني فعلته من أجل أني أشرف منه ؛ وهذا تقريع من الله للمشركين الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وأبوا الانقياد له ، واتباع ما جاءهم به من عند الله استكبارا عن أن يكونوا تبعا لرجل منهم حين قالوا : أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا و هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ فقص عليهم تعالى قصة إبليس وإهلاكه باستكباره عن السجود لآدم بدعواه أنه خير منه ، من أجل أنه خلق من نار ، وخلق آدم من طين ، حتى صار شيطانا رجيما ، وحقت عليه من الله لعنته ، محذرهم بذلك أن يستحقوا باستكبارهم على محمد ، وتكذيبهم إياه فيما جاءهم به من عند الله حسدا ، وتعظما من اللعن والسخط ما استحقه إبليس بتكبره عن السجود لآدم . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ يقول تعالى ذكره لإبليس : فَاخْرُجْ مِنْها يعني من الجنة فَإِنَّكَ رَجِيمٌ يقول : فإنك مرجوم بالقوم ، مشتوم ملعون ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ قال : والرجيم : اللعين . حدثت عن المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك بمثله . وقوله : وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي يقول : وإن لك طردي من الجنة إِلى يَوْمِ الدِّينِ يعني : إلى يوم مجازاة العباد ومحاسبتهم قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ يقول تعالى ذكره : قال إبليس لربه : رب فإذ لعنتني ، وأخرجتني من جنتك فَأَنْظِرْنِي يقول : فأخرني في الأجل ، ولا تهلكني إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ يقول : إلى يوم تبعث خلقك من قبورهم . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ يقول تعالى ذكره : قال الله لإبليس : فإنك ممن أنظرته إلى يوم الوقت المعلوم ، وذلك الوقت الذي جعله الله أجلا لهلاكه . وقد بينت وقت ذلك فيما مضى على اختلاف أهل العلم فيه ؛ وقال : فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ يقول تعالى ذكره : قال إبليس : فبعزتك : أي بقدرتك وسلطانك وقهرك ما دونك من خلقك